4
5
6
7
8
9
10
11

فكرة علم الإنسان الاجتماعي ومشكلة تخضير البيئة الإعلامية في المدن الكبرى المعاصرة

Director for Research of the Planetary Development Institute

01 January 2016


موضوع علم الإنسان الاجتماعي هو البيئة المعيشية للإنسان المعاصر بالتوحد مع المقاييس والمواصفات المتنوعة وهي الاجتماعية والإحصائية والجيوفيزيائية والتكنولوجية والسكانية والنفسية. يتمثل علم الإنسان الاجتماعي بمثابة النموذج العلمي التكاملي التركيبي والاجتماعي الثقافي للإنسان المعاصر بوضع كمشكلة باعتباره مخلوق مؤزم وجنس أوشك على الانقراض بإثبات التغييرات الجذرية بما فيها التي لا رجعة فيها في طبيعة الإنسان وبيئة نشاطه الحيوي.
من بين التعاريف الواقعية الأكثر حيوية لمشكلة الإنسان الاجتماعي في المجتمع المعاصر هو البيئة الإعلامية وهذا ما يظهر جلياً في إطار العمليات الحيوية للمدينة الكبيرة المعاصرة. من الصعب المبالغة في تقدير أهمية الساحة الإعلامية، فهي تتمثل كالوسط الإجمالي عملياً لأي نوع من أنواع النشاط البشري وهذا ليس من قبيل الصدف، فلذا تحمل الحضارة المعاصرة لقب الحضارة الإعلامية. الاتجاهات التاريخية العامة للتطور العالمي والعمليات المتنوعة للتحسن العلمي الفني وانحلال الأشكال الاجتماعية الثقافية العتيقة وظهور الجديدة منها في المجتمع البشري وتغير الوعي الجماعي والنفسية الفردية، كل هذا يؤدي بشكل أو بآخر إلى نمو وانتشار الساحة الإعلامية للعالم المعاصر.
إذاً فزيادة دور الساحة الإعلامية هو عبارة عن عملية موضوعية، ومع ذلك فعندما تتمثل كالحالة العامة في النشاط الاقتصادي والسياسي والثقافي لدى الناس والمحتوى الشامل على مختلف أهميات الوعي الاجتماعي والفئوي والفردي، لا يجوز أن تبقى البيئة الإعلامية غير مبالية بمحتواها وغير متغيرة من حيث تركيبها. باتت البيئة الإعلامية ليس فقط منجرة إلى التنافس مع مختلف القوى الاجتماعية بل وبدأت تخلق بنفسها استراتيجيات المنافسة وسيناريوهات النزاعات.
في بادئ الأمر حين كانت البيئة الإعلامية تقوم بوظائف تجديد وتوسيط الاتصالات بدأت بنفسها وخارج نطاق السيطرة تخلق أنواعاً ونماذجاً جديدة للاتصالات التي غالباً ما تكون توسعية وعدائية، وكذلك ظهرت أنواع جديدة لتوسيطها وهي الفنية والسيميائية والفنية التصويرية والنفسية اللغوية. وهكذا فإن البيئة الإعلامية لا يجوز تقديرها قطعاً بأنها إحدى ظواهر التقدم الاجتماعي وذلك لأنها تضم كذلك الكثير من الجوانب السلبية التي تمثل خطراً أكيداً على الأمن النفسي وحقوق الفرد. يجوز أن ننسب إلى العوامل المدمرة للبيئة الإعلامية تخفيض وتدمير الأشكال التقليدية للمعاشرة في الوعي العام، والاستغلال التجاري للفن والتلاعب بالرأي العام من لدن النخبات الحاكمة بواسطة وسائل الإعلام، ونشر وتجميل العنف وغسل الدماغ بواسطة الإعلانات والدعايات ونشر الأوهام العامة والشاملة والرهاب البدائي والهلوع الاجتماعي (مثلاً الاستهلاكي أو "الأزمي") وغيرها من الحالات المرضية للوعي سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.
إن تخضير البيئة الإعلامية لا يفترض التأثير على كيانات النشاط الإعلامي وإلا فإن هذا التأثير سيصبح سياسياً وإدارياً وحقوقياً وهذا ما يضيق المشكلة كثيراً ويبعدها عن مصادرها وأسبابها الحقيقية. ينبغي وضع المشكلة بصورة أوسع، أي أن الساحة الإعلامية نفسها وأسس تكوينها وآليات عمل الاتصالات العامة هي الوسائل الواضحة التي ظهرت تحت تأثير النموذج المنطقي: "الإعلام – التكنولوجيا – السوق". لا بد من دراسة عملية تحويل البيئة الإعلامية من الخاملة إلى مجال "الذاتية الشاملة دون ذاتية" التي تنتج المعاني والحوافز ذات أهمية اجتماعية ومن ثم تتركها في الرواج لا ردع عليه ولا يمكن التحكم به. وفي المرحلة الختامية ينبغي إجلاء ودراسة آليات البيئة الإعلامية وتأثيرها النفساني على الإنسان قبل كل شيء كمستهلك الإعلانات وخدمات وسائل الإعلام، وكذلك تم تشكيل مبادئ تعديلها وفقاً لمتطلبات الأمن النفسي للفرد وأحكام الحقوق. وهكذا فإن أهمية مشكلة البيئة الإعلامية في المدن الكبرى المعاصرة يفتح آفاق الدراسة متعددة التخصصات لديناميكية محتوى وقيمة والصورة النمطية للوعي الاجتماعي ونماذج النشاط الاجتماعي والعلمي الفني.


All articles
Subscribe
Share: