4
5
6
7
8
9
10
11

معنى ومبررات التكامل الكوكبي

ومؤسس والمدير العام لمؤسسة دبي للتطوير الكوكبي

11 January 2016


التوحد الحقيقي للناس القاطنين على الأرض ليس أهم شرط لحل المشكلات العالمية وإزالة الأخطار والتخفيف من التناقضات حسب بل وبداية سبيل التحول الروحي والتكنولوجي وفي المستقبل التطوري للبشرية. الشيء الذي يبدو اليوم كمثالية (الطوباوية) ألا وهو التوحد البشري العام وما يبنى عليه من العالم المنسجم ومدار بشكل منتظم، ذلك الشيء هو ضرورة لا بديل لها لبقاء الإنسان كجنس وبقاء الأرض ككوكب. في عصرنا هذا تنبع ضرورة التكامل العالمي ليس من الاعتبارات المجردة المعنوية وليس من الأوهام سريعة الزوال لدى أرباب مذهب المثالية أو "المشاريع السرية لدى الحكومة العالمية مجهولة الهوية"، وإنما نجم من الوضع الخطر جداً الذي وقع فيه العالم المعولم ومشترط بغريزة البقاء التي يجوز إدراكها على مستوى الفهم السليم. لأجل تنفيذ البرنامج الأقصى الحضاري تاريخياً وهو "الإنقاذ من التدمير الذاتي – حل المشكلات العالمية – التخفيف من الأخطار اجتماعية وتكنولوجية المنشأ والمخاطر الطبيعية – انسجام تكوين العالم – الخروج إلى المستوى الأعلى نوعياً للتطور الاجتماعي" لا بد للبشرية من أن تتوحد وأن تصبح متكاملة وأن تتخذ قالب الجنس الحي الموحد المتراص سواء من جراء المصائب المشتركة أو المتطلبات المشتركة والحلول والآفاق. وفي أية حالة أخرى عدا الحالة المتكاملة (على مستوى المؤسسات والنخبات والفئات والأصول والتكنولوجيات) ستعجز البشرية عن تنفيذ هذا البرنامج. لقد مضى زمن الرسائل المتفرقة والمتقطعة والمتباينة والتقدمية! من جراء العولمة بات العالم أكثر تعرضاً للضرر مما كان خلال كل تاريخ البشرية. في مثل هذا الحال ولا أي شعب ولا في أية بقعة من العالم لن يتمكن على تجنب الظواهر السلبية لعصرنا وضرورة حلها بغرض الحفاظ على الذات من قبل البشرية كجنس والطبيعة كنظام بيئي والموطن. لأجل تحقيق أضخم عملية في تاريخ جنسنا وهي التكامل البشري لعموم العالم لا بد من النماذج والآليات والتكنولوجيات الواقعية والفعالية القادرة على إجراء التغيرات الهيكلية في كافة مجالات الحياة الاجتماعية وهي السياسة والاقتصاد والثقافة. والتحديد الصحيح للمسائل والمقترحات لحلها هذا ما ينويه المشروع على نطاق الكوكب وهي موصوفة في الأقسام الفرعية من هذا القسم. وفعلاً على ماذا اعتمدت محاولات إدخال استراتيجية التنمية المستدامة في العملية الدولية؟ بصفة عامة يجوز تلخيص كل العوائق إلى أهم التحديدات الثلاثة: 1) تضارب المصالح في سير مناقشة وحل المشكلات العالمية (وفقاً للمسار "العالمية العامة – الوطنية"، "بين الجماعات الإثنية"، "الوطنية العامة – الإقليمية – المحلية")، 2) عدم وجود المخططات والمقترحات العلمية الفنية لحل المشكلات العالمية، 3) التناقضات الفكرية القيمية بين المشاركين في العمليات العالمية وعدم وجود أساس لفهم وتقدير المشكلات العالمية وكذلك ضرورة حلها. يستهدف التكامل البشري العالمي العام ليس فقط تضامن الناس وإزالة التوتر المتعلق بالمخاطر العالمية بل وتمكين تشكيل نظام مؤسسات الإدارة الكوكبية. وهذ النظام بالذات هو الذي سيتمكن من توفير ظروف نشوء الحضارة جديدة الطراز أي المتوافقة من الناحية الحيوية وذات الوعي البشري والمتطورة بصورة منسجمة. ويطمئن القلب الظرف أن الآن قد تشكلت في العالم وباتت الآن ناضجة المؤسسات الكاملة والمعترف بها تلك الظواهر الاجتماعية التاريخية ألتي يجوز أن نعتبرها أسس التكامل الطبيعي للبشرية. ويجوز شرطياً أن نقسمها إلى السياسية القانونية والاقتصادية والبنى التحتية التكنولوجية والثقافية. كلها ثمار تطور الحضارة المعاصرة ونتائج أفضل المنجزات السابقة. هذه الظواهر والعمليات المتزنة والمأسسة والأفعال التي باتت واقعياً الآن أسساً للتكامل البشري لعموم العالم سنتكلم موجزاً عن كل واحدة على حدة. 1) القيم البشرية العامة وحقوق الإنسان أضحت صورة البشرية الموحدة جزءاً لا يتجزأ عن الفهرس الثقافي للشعوب المتحضرة بعد أن وجدت لنفسها ارتباطاً شرعياً تماماً في فئة القيم البشرية العامة. تنتمي إلى عداد القيم البشرية العامة الحاجات الطبيعية وحق ورفاهية الإنسان كمخلوق حي وعاقل الذي يعيش في عالم الطبيعة وأناس أمثاله. لقد تبلور التصور عنها من الكتل غير المتجانسة من الخبرة التاريخية المجمعة لدى البشرية رغم الانفصال المتناقض وتارة المعاني التي غالباً ما تستبعد بعضها البعض. وفي عملية العلاقات الاجتماعية تجسدت القيم البشرية العامة في مؤسسة حقوق الإنسان وجزئياً كأحكام القانون الدولي. 2) المؤسسات الاجتماعية الدولية إن المؤسسات الاجتماعية العالمية ليست موجودة فقط بل وتتمتع باستحقاق بالاعتراف العالمي بها. إنها تشارك بنشاط في إعداد واتخاذ ومراقبة أهم وأكبر حلول التي تخص شعوباً وبلداناً كاملة والمجتمع العالمي عموماً، ولكنها ما زالت بعيدة كل البعد عن تحقيق رسالتها كاملاً. 3) الأعمال التجارية العالمية ظهرت ظروف وخلفيات الأعمال التجارية العالمية منذ الاكتشافات الجغرافية العظيمة والتطور العلمي التقني والانقلابات الصناعية. في منتصف القرن التاسع عشر تشكلت صورتها الأولية على شكل التجارة المتوسعة والمتأسسة ما بين القارات، وفي القرن العشرين تغدو مشروعاً اقتصادياً رائداً في العالم، وفي القرن الحادي والعشرين حقيقة لا بديل لها على شكل شركات عبر الوطنية والمؤسسات التجارية والمالية والصناعية الدولية. جوهرة الأعمال التجارية العالمية هي أنها وقاعياً لا تعرف الحدود والسيادات. في الظروف الراهنة لشبكات المواصلات والإعلام والاتصالات العالمية يسعى الرأسمال إلى الأماكن والبلدان حيث يجد الأجواء التجارية الملائمة وإمكانية الحصول على أكبر قدر ممكن من الأرباح. الأعمال التجارية العالمية والاقتصاد العالمي والتجارة وديناميكية القوى الإنتاجية والتوحيد القياسي للإنتاج والاستهلاك تتمثل اليوم بأكثر الأجزاء موضوعية لقاعدة التكامل البشري العام. 4) الإنترنيت: الاتصالات العالمية والعالم الافتراضي شبكة الإعلام والاتصالات العالمية وهي الإنترنيت قد تكون تلك ثمرة العصر التي لها التقدير غير الرسمي كالأكثر فائدة، ففي أي حال يستخدمها أنصار العولمة ومعارضوها. ثمة رأي بأن WWW هي أمثل نموذج للعالم الكوكبي وربما حتى ظاهرته الثابتة بعض الشيء. لا يجوز الإفراط في تقدير الشبكة العالمية، فبما أنها قاطرة الثورة الإعلامية فهي تحول نفس مبادئ التنظيم الاجتماعي وتكوين الآليات الهيكلية الوظيفية للنشاط الحيوي لدى المجتمع. لقد جعل الإنترنيت العالم صغيراً ومفتوحاً والبشرية أكثر حركة وشمولية. الشيء الأهم هو أنه قد زاد من حجم وإتاحة الكفاءات الثقافية العامة والمعارف والحاجيات بتوسيع ساحة العناصر القيمية والإدراكية والأخلاقية من الرؤية المعاصرة للعالم. فعلى مستوى تجربة الثوابت والمعارف الإذاعية والمهارات المدربة قام الإنترنيت بالتقريب بين لغات مختلف الثقافات، ففي الفضاء الافتراضي لدى البشرية تجري حالياً عملية بلورة الفهرس الثقافي العام. 5) توحد المجال التقني رغم أنه في العالم المعاصر يتجاور المجتمع الصناعي مع المجتمع ما بعد الصناعي يجوز مع وجود درجة معينة من الشروط التكلم عن وحدانية المجال التقني. على الأقل من المنطقي طرح سؤال عن عائلة منظمة بالمبادئ العلمية المنهجية والقيادية الموحدة من الأنظمة العالمية التكنولوجية المرتبطة ببعضها البعض (البنى التحتية) وهي الاتصالات والطاقة والمواصلات ونقل البضائع والفضاء. وهكذا سيكون من المنطقي أن نستنتج أنه في بداية القرن الحادي والعشرين أصبحت الحاجة العالمية إلى التكامل عبر الوطني وفوق السياسي للبشرية لا مفر منها وإلى جانب ذلك اضطرارية أمام وجه التهديدات والمخاطر العالمية وكذلك الطبيعية والتاريخية والتطورية وذلك لأن البشرية مستعدة وقادرة على أن تصبح موحدة كظاهرة كوكبية. ضرورة التكامل البشري والعالمي العام واضحة لدرجة أنها يجب أن تعتبر اليوم معيار النضوج الاجتماعي والحضاري والإنساني لدى الإنسان والنخبة والمجتمع والمؤسسة الاجتماعية. ففي نهاية المطاف إن التكامل البشري العام وكذلك العولمة والمشكلات العالمية تخص المجتمع عموماً وكل أعضائه على حدة .

All articles
Subscribe
Share: